ابن خلدون

23

رحلة ابن خلدون

القدامى ذكر أمكنة مرّ بها لم تعد تحمل الأسماء نفسها . فعمد المحقق في مرات عديدة إلى ذكر الاسم العربي للمكان إلى جانب اسمه بالحروف اللاتينيّة ، كما يرد في المصوّرات الجغرافيّة ، ووضع إزاءه موقع المكان على خطي الطّول والعرض ، محدّدا بالدرجات والدقائق . وقد لجأ المحقّق إلى ذلك رغبة منه في أن يترك أوضح صورة ممكنة للمكان في ذهن القارئ . ولا يهمل المحقّق أن يشير إلى عجزه مرّات عن تحديد بعض أمكنة الرّحلة ، على رغم أن أكثر هذه الأماكن أمكن تحديدها بحيث لم يعد من العسير على قارئ اليوم الاهتداء إليها عن طريق المصوّرات الجغرافيّة العصريّة . IX يعتقد ابن تاويت أن الصورة التي رسمها ابن خلدون لنفسه لم ترق لمعاصريه من مشارقة مصر « فصنعوا له صورة تختلف عمّا قاله عن نفسه أشدّ الاختلاف » . انطلاقا من هذا الاكتشاف في الفرق بين الصورتين المكتوبة بقلمه ، وتلك التي رسمت له من جانب أهل مصر الذين حلّ ابن خلدون في ظهرانيهم ، وتسلّم مناصب عليا لديهم ، أخذ المحقّق على عاتقه مهمّة فحص الفرق ، معتبرا أن هناك حاجة ملحّة « إلى نوع من العناية خاص ، يقصد فيه الوقوف عند مواطن الاختلاف هذه ، التي اعتبرت في ما بعد منافذ واسعة تسرّبت منها ألوان من النّقد شملت الكثير من نواحي حياة ابن خلدون ، بل كادت - بما اتّسعت - أن تمسّ الثّقة بما يرويه . » . ويضيف ابن تاويت : « لذلك عرضت ما يقوله ابن خلدون في هذا الكتاب ، على كتب أخرى تناولت الموضوع نفسه بالحديث ، وأثبتّ نصّها من غير تصرّف فيه ليؤيّد رواية ابن خلدون أو ينقضها ، وبذلك أصبح مصدر الحكم لابن خلدون أو عليه غير بعيد عن متناول النّاقد النّزيه . » . وفي هذا السياق نشير إلى أغناطيوس كراتشكوفسكي الذي يشكك بالقيمة العلمية لآراء ابن خلدون في الاجتماع ، وضعف ملاحظاته الجغرافية . والأرجح أنّ نزاهة المحقق وإنصافه الحقيقة في عمله على هذا النص لقيا كل تقدير من جانب أساتذته وأصدقائه من كبار العلماء والكتاب في مصر ، الذين تحمسوا